بصراحة مع فنانينا الأعزاء / محمدو ولد البخاري عابدين

السبيل – نواكشوط ……… لن نخوض في السجال والجدل القديم الجديد حول حرمة أو جواز الموسيقى والغناء، أولا لعدم أهليتنا لذلك، وثانيا لأننا وحتى إن كنا مؤهلين له فإننا لن نقول فيهما إلا ما قد قيل من كونهما مسألة خلاف ينجر عليهما ما ينجر على غيرهما من مسائل الخلاف في الشريعة الإسلامية، وعندما يتعلق الحكم بخلاف فمعناه تلقائيا أن قضية الكفر أو التكفير ليست مطروحة أصلا.

ودون الخوض كذلك في مكانة الموسيقى لدى كافة الشعوب حيث لا مجتمع من المجتمعات، ومن مختلف الأعراق والأجناس والديانات، حتى تلك منها التي لا تزال بدائية تعيش في الجبال والغابات، إلا ولها موسيقاها التي تطرب لها وتعكس قيمها وتحرك مشاعرها، فإن العلم الحديث القائم على الدراسات والتجارب والأبحاث قد أكد أهمية الموسيقى في حياة الناس، حيث أظهرت الدراسات بأن استماع الفرد إلى الموسيقى يشعره بالسعادة، ويساعده على تنظيم عواطفه، كما يساعده على الاسترخاء، وأشارت الدراسات إلى أن استماع الفرد لموسيقى يحبها أو تعجبه تدفع الدماغ إلى إطلاق مادة كيميائية تسمى ” الدوبامين “، ذات التأثيرات الإيجابية على المزاج، وتساعد الموسيقى على الشعور بالعواطف القوية مثل الحزن، والخوف، والفرح، فالموسيقى لديها القدرة على تحسين مزاج وصحة الإنسان.

 وأشارت عدة دراسات إلى أن تعليم الموسيقى في عمر مبكر يحفز دماغ الطفل بطرق عدة تساعده على تحسين مهارات الاتصال، والمهارات البصرية، والمهارات الكلامية؛ حيث تناولت إحدى الدراسات أطفالاً تتراوح أعمارهم بين أربع إلى ست سنوات، تم إخضاعهم للتدريب الموسيقي على الإيقاع، والصوت، واللحن، والمفاهيم الموسيقية الأساسية لمدة شهر واحد، وتوصلت هذه الدراسة إلى أن الموسيقى عززت قدرة الأطفال على فهم الكلمات وشرح معانيها.

 كما درست العديد من الأبحاث آثار الموسيقى على الدماغ البشري، وقد توصل العلماء إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للموسيقى، أو الأشخاص الذين يعزفون على الآلات الموسيقية، كانت درجاتهم الدراسية أفضل من أولئك الذين لا يستخدمون الموسيقى في حياتهم، وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الموسيقى تطوّر أجزاء معينة من الدماغ، وترفع من معدل الذكاء، ويمكن أيضاً أن يستفيد البالغون من تعلم العزف على آلة موسيقية؛ حيث تساعد الموسيقى على بقاء الدماغ في حالة من النشاط والاستعداد، وتساعد كذلك في تقوية الذاكرة.

 أيضا أشارت الأبحاث إلى أن الإستماع للموسيقى يقلل من مستويات هرمون الإجهاد الذي هو هرمون ” الكورتيزول ” وهو الهرمون المسؤول عن إضعاف جهاز المناعة لدى الإنسان وضعف الذاكرة والقدرة على التعلم، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، وضغط الدم، والتقليل من كثافة العظام في الجسم، ووجدت هذا الأبحاث بأن استماع الشخص للموسيقى لمدة 50 دقيقة يؤدي إلى رفع مستوى الأجسام المضادة في الجسم ( مجلة موضوع ).

 وعلماء النفس أيضا يقولون إن الموسيقى لها دور في حياة الكثير من الكائنات الحية، ومنها الإنسان، حتى أنها تلعب دوراً في إقبال الحيوانات على الغذاء، وفي نمو النباتات، حيث كشفت الدراسات التي أجريت على الحيوانات التي تعرضت للضوضاء وللموسيقى الصاخبة، أن بنية الدماغ لديها تغيرت، وثبت أن النباتات تكره الموسيقى الصاخبة، فنباتات ( اللبلاب ) التي تنمو في منازل تتردد فيها الألحان الموسيقية الهادئة تنمو وتنتعش بشكل أفضل من تلك الموجودة داخل بيوت يشغل أصحابها الموسيقى الصاخبة.

ولقد توصل العالم العربي أبو بكر الرازي إلى فوائد الموسيقى قبل حوالي ألف سنة، إذ لاحظ أن بعض المرضى المصابين بأمراض تسبب آلاماً مبرحة، ينسون هذه الآلام ويشملهم الهدوء والسكون لدى سماعهم للألحان الشجية والنغمات المطربة، فأدرك أن الموسيقى لا بد أن يكون لها أثر في تخفيف الآلام وفي شفاء بعض الأمراض، وبعد تجارب جزم أن الموسيقى الجميلة لها أثر حاسم في شفاء بعض الأمراض، فصار يعتمد عليها بوصفها أسلوبا من أساليب العلاج الطبي في مراكز العلاج، وقد دخلت الموسيقى مؤخرا ضمن برامج العلاج والتأهيل في العديد من مستشفيات الأطفال ومراكز علاج السرطان في أوروبا، كما أكد خبراء التربية أن الطفل يستفيد من الإستماع للموسيقى كما الكبار، وأن الألحان الناعمة تهدئه، وذلك ما نعرفه من خلال غناء الأم لطفلها والهدوء الذي يُحدثه له ذلك الغناء، بل والنوم حتى عندما يكون في بعض الأحيان متألما..

إذن ومن هذه الزاوية، زاوية المصلحة والمزايا الثابتة للموسيقى في حياة الشعوب وثقافتها ونموها وتطورها، ما المانع من عرض حكم الموسيقى والغناء على القاعدة المعروفة ” أين ما تكون المصلحة فثم شرع الله “، هذه القاعدة التي من المجمع عليه أنها غير مرسلة، وأنها تتعلق فقط بما لم يرد فيه نص قطعي بالتحريم في القرآن أو في السنة، والتي أصبحت مأخوذة اليوم في الاعتبار حيال العديد من جوانب الحياة التي لم تكن سائدة أو معروفة في بداية وفي صدر الإسلام فاستجدت وتبين أن فيها مصلحة بضوابط وشروط طبعا، وبما أن الموسيقى لم يرد نص شرعي بتحريمها، فلماذا لا نضعها على هذا الميزان، وينظر من لا يبيحها من علمائنا إلى ما سيجلبه لنا الجدل في تحريمها وتكفير المشتغلين بها والمستمعين لها من أضرار، وما سيحققه لنا التعامل معها كمسألة خلاف يبيحها بعض العلماء بشروطها وضوابطها المعروفة من منافع وتقارب وانسجام، وما أعظم كل ما يحقق التقارب والوحدة والإنسجام، وما أخطر كل ما يقود إلى الخلاف والتنافر والغلو والتكفير، خصوصا بالاستناد إلى مسائل الخلاف ومحاولات فرض بعض الإجتهادات! وفي النهاية فإن الإستماع للموسيقى، كمسألة خلاف، أو حتى ولو كانت مباحة مطلقا، فإن الإستماع إليها ليس قدرا على من لا يريد الإستماع إليها، وهو بالتالي في سعة من أمره إن شاء استمع وإن شاء أعرض.

وإذا كان النظر للموسيقى والغناء كلهو يشغلان عن العبادات هو ما يعتمد عليه من يذهبون إلى حرمتهما، فماذا نقول عن كل ما يشغل عن العبادات من جوانب الحياة الأخرى؟! فالعمل في المكتب وفي المصنع والمتجر والحقل والورشة كلها أعمال تشغل عن الصلاة وعن العبادات وهي بحد ذاتها حلال ما لم تشغل عن أداء الفرائض والعبادات، والنوم الذي هو حالة بيولوجية لا غنى للإنسان عنه يشغل هو الآخر عن الصلاة والعبادات ولا يحرم منه إلا ما يُضيع وقت الصلاة، فالقضية هنا إذن هي قدرة واستعداد المسلم لتنظيم وقته بحيث لا يضيع حق الله عليه، ولا يضيع حق نفسه عليه من عمل وإنتاج وراحة وترفيه وترويح بشروط ذلك وضوابطه طبعا..  

أما في ما يخص الفنانين أو ” إيكّاون ” فيما يتعلق بنظرتهم هم لأنفسهم، وما يتوجسونه من نظرة المجتمع لهم، فإن هناك ما يخصهم هم أنفسهم مما لن ينفعهم فيه غيرهم، فقديما قيل ما حك جلدك مثل ظفرك، فبعد أن نؤكد لهم أن مكانتهم في المجتمع محفوظة، وارتباطهم العضوي به سواء كأفراد منه، أو من خلال ما يقدمونه من فن هو جزء من ثقافته وتراثه ارتباط وثيق لن تزعزعه تسجيلات استفزازية من هناك أو هناك، فبعد أن نؤكد لهم ذلك نقول لهم كلاما ينفعهم ولا يضرهم، وهو أنه آن الأوان لقيامهم بمراجعة شاملة وثورة ذاتية داخلية للتغيير من ذلك النمط الذي عاشوا عليه قدما، وأن يدركوا حجم التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع، ويدركوا أن تلك التحولات ستظل في تسارع ويتحركوا من تلقاء أنفسهم للخروج من تلك الشرنقة أو القوقعة التي يضعون أنفسهم فيها كشريحة متوقفة في طرق الكسب والعيش على نمط واحد هو ممارسة الفن والغناء، والغياب التام عن الحضور في أنشطة ومناح الحياة الإنتاجية الأخرى وعن قطاعات الدولة ومفاصلها!

وأن يبادر شبابهم من الآن في الإنخراط في الجيش والشرطة والدرك والحرس والجمارك والبحرية وأمن الطرق، أو ينخرطوا في المقاولات والأعمال الحرة، وتنخرط نساؤهم في التجارة والأنشطة المنتجة كغيرهن من النساء، ويتهيأوا رجالا ونساء للإنخراط في بقية مفاصل الدولة ومختلف قطاعاتها من تعليم وقضاء وإدراة وتخصصات طب وهندسة وميكانيكا.. ذلك التهيؤ الذي لن يمكنهم منه سوى طريق وحيد هو التعليم، نعم التعليم، وتلك ـ لعمري ـ هي مشكلة هذه الشريحة وحقيقتها التي لن يصارحها بها أحد مجاملة لها أو تجاهلا منه لواقعها، فالمعروف أنه من النادر أن تجد من أبناء ” إكّاون ” من يتابع دراسته أو دراساته، لأن العقلية السائدة لدى ذويه هي أنه ابن أسرة فنية وسيتعلم الفن وسيعتمد عليه في طرق عيشه مستقبلا مهما كان صوته أو موهبته أو قدراته الفنية!

فليقبلوا على التعليم والتخصص في كافة مجالات العلوم، وإذا تعلم منهم من تعلم، وتخصص منهم من تخصص وكان صوته جميلا وموهبته عالية، فسيكون قد خلط بين ما لا تناقض بينه ولن يزيده التعلم إلا تألقا وقدرة على الإبداع في مجال الفن إذا أراد ممارسته، فمن المعروف أنه من الصعب على غير المتعلم أو غير المثقف أن يُبدع أو يُطور مهارته وقدراته، وسيكون التركيز على ذلك أكثر خدمة بكثير لهذه الشريحة من ردات الفعل على رأي في مهنتهم من هناك أوهناك من خلال التظاهر أمام القصر الرئاسي، فليس القصر الرئاسي ولا وزارة الثقافة ولا الدستور ولا القوانين الموريتانية هم من يكرسون طبقية أو تراتبية كرَّسها المجتمع في غابر العصور ليكون القضاء عليها من خلال تظاهرة، فالطبقية والتراتبية ما لم تكرسهما قوانين أو دستور فهما ظاهرة اجتماعية لا سبيل لاختفائها إلا بالتغيير من المفاهيم، والخروج من القوالب والإندماج في المجتمع ليراك الآخر إلى جانبه في كل مناح ومجالات الحياة ونشاطاتها منتجا، فاعلا، مستقلا بذاتك..

وهذا في الحقيقة هو الطريق الوحيد أمام أي شريحة أخرى من شرائح المجتمع تشعر اتجاهها بنظرة  مصدرها المجتمع ورواسبه التاريخية والثقافية، وإن كانت شرائح مجتمعنا الأخرى بدأت تخرج من القوالب النمطية التي كانت تعيشها، وبدأت التواجد والحضور في كل الحرف والأنشطة الإنتاجية، وعيا منها بأهمية ذلك أو اضطرارا له تحت ضغط الظروف وإملاءات التحولات.. إلا أن شريحة الفنانين أو ما يُعرف ب ” إيكّاون ” لا زالت لم تع ذلك بعد لكنها لا محالة سترغمها عليه الظروف والتحولات، فلتسمع كلام من يجاملونها ويُطيبون خواطرها، ولكن فلتستمع أكثر لكلام من ينصحوا لها ويصارحونها، ولتبادر للخروج من قالبها التقليدي، ولتتهيأ من الآن للإندماج في المجتمع من خلال ممارسة كل الأنشطة الإنتاجية، وللحضور في مفاصل الدولة وقطاعاتها من خلال الإقبال على التعليم، ولتتحرك نخبتها الواعية في أوساطها لحمل راية هذا التوجه ومتابعته.